محمد متولي الشعراوي
4200
تفسير الشعراوى
موضع العجب هنا أن جاء لهم منذر ورسول من جنسهم ؛ فمن أي جنس كانوا يريدون الرسول ؟ كان من غبائهم أنهم أرادوا الرسول ملكا . بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 2 ) ( سورة ق ) وجاء العجب أيضا في البعث . فتساءل الكافرون هل بعد أن ذهبنا وغبنا في الأرض وصرنا ترابا بعد الموت يجمعنا البعث مرة ثانية ؟ ! إذن فالعجب معناه إظهار الدهشة من أمر لا تدعو إليه المقدمات أو من أمر يخالف المقدمات . العجب عندهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لأن نوحا عليه السلام يريد منهم أن يبحثوا في الإيمان بوجود إله . وكان المنطق يقتضى أنه إذا رأوا شيئا هندسته بديعة ، وحكيمة ، وطرأ عليها هذا المخلوق وهو الإنسان ليجد الكون منسقا موجودا من قبله ، كان المنطق أن يبحث هذا الإنسان عمن خلق هذا الكون وأن يلحّ في أن يعرف من صنع الكون ، وحين يأتي الرسول ليقول لكم من صنع هذا الكون ، تتعجبون ؟ ! كان القياس أن تتلهفوا على من يخبركم بهذه الحقيقة ؛ لأن الكون وأجناسه من النبات والجماد والحيوان في خدمتك أيها الإنسان . لا بقوتك خلقت هذا الكون ولا تلك الأجناس ، بل أنت طارىء على الكون والأجناس ، ألم يدر بخلدك أن تتساءل من صنع لك ذلك ؟ إذن فالكلام عن الإيمان كان يجب أن يكون عمل العقل ، وقلت قديما : هب أن إنسانا وقعت به طائرة في مكان ، وهذا المكان ليس به من وسائل الحياة شئ أبدا ، ثم جاع ، ولم يجد طعاما ، وقهره التعب ، فنام ، ثم أفاق من هذه الإغفاءة ؛ وفوجىء بمائدة أمامه عليها أطايب الطعام والشراب وهو لا يعرف أحدا في المكان ، باللّه قبل أن يأكل ألا يتساءل عمن أحضرها ؟ ! ! كان الواجب يقتضى ذلك . إذن أنتم تتعجبون من شئ تقتضى الفطرة أن نبحث عنه ، وأن نؤمن به وهو الإله